مابعد حصار الدوحة

قامت الرياض، بالإضافة إلى عدد من عواصم دول الخليج ودوّل أخرى، بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الدوحة يوم الإثنين. تم ذلك بعد ظهور تصريح منسوب إلى أمير قطر حول الأوضاع السياسية في المنطقة، وحصل على إثره ردة فعل قوية من الإعلام السعودي والإماراتي تجاه الدوحة. نفت الحكومة القطرية ذلك التصريح، وأدعت انه تم إختراق وكالة الأنباء القطرية الرسمية. ولحق ذلك عدة إتهامات متعددة وجهتها السعودية إلى قطر تتراوح من دعم الإرهاب إلى التقارب مع إيران.
استطاعت الرياض والدوحة على إحتواء خلافاتهم السياسية من خلال القنوات الدبلوماسية خلال معظم العقود الأربع السابقة منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي، لكن شهد تاريخ علاقتهم أحداث سابقة نجد صداها في الخلاف الحاصل اليوم. في عام ١٩٩٢، على سبيل المثال، حصلت إشتباكات حدودية بين البلدين. وفي الأونة الأخيرة، قطعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين علاقتهم في قطر عام ٢٠١٤.
لكن الخلاف الخليجي الدائر حالياً يشهد حدثين غير مسبوقين. أولاً، نحن نشهد أكثر عملية إعلامية وسياسية منظمة، تقودها السعودية وتدعمها الإمارات، تجاه قطر. كشفت تسريبات البريد الإلكتروني لسفير الإمارات في واشنطن أن له دور محوري في هذه الحملة. والحدث الثاني قد يكون أهم لما له من تبعات، حيث قامت السعودية والإمارات والبحرين ومصر بإغلاق منافذهم البرية والجوية والبحرية عن قطر. ستتمكن الدوحة من القدرة على تحمل التبعات المالية في المستقبل المرئي، إلا انه من المتوقع أن تؤدي هذه الإجراءات إلى ضغط إقتصادي ونفسي قوي على قطر. السؤال الراهن: لماذا أقدمت السعودية على هذا الفعل تجاه قطر؟ ولماذا الأن؟
يبدو أن المعسكر السعودي قد نفذ صبره من نفس السياسات القطرية التي أفتعلت الأزمة الدبلوماسية في عام ٢٠١٤. الجانب السعودي، من وجهة نظري، له ثلاث مطالب رئيسية: (١) ترحيل قيادات الإخوان المسلمين بالإضافة إلى عدد من الشخصيات السياسية المؤثرة من الدوحة، و(٢) تحييد الإعلام القطري، خصوصاً الجزيرة، تجاه دول الخليج ومصر، و (٣) إعادة تشكيل السياسة الخارجية القطرية بحيث لا تتعارض مع المصالح السعودية والإماراتية. من المتوقع أن تعرض قطر بعض التنازلات في هذا الشأن، إلا انه من الممكن أن تعتبر بعض هذه المطالَب خرق لسيادتها.
توقيت هذه الحملة تجاه قطر مهم، حيث انه يتبع القمة العربية الإسلامية الأميركية التي تم عقدها في الرياض. ويبدو أن الجانب السعودي ارتأى إستثمار علاقته الجديدة مع الإدارة الأميركية لكي يعيد تشكيل السياسية القطرية.
لكنه من المهم كذلك تحليل وجهة النظر الأميركية، فقطر تحتضن أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة. أعتقد أن إدارة ترمب سعيدة بأن ترى الحكومة القطرية “تعرق قليلاً” في مواجهة هذه الأزمة. بالنسبة لواشنطن، قد تساعد هذه الأحداث الدوحة على إستيعاب أهمية الوجود الأميركي لديها، وأن تعمل على تعديل سياساتها التي لا تتماشي مع المصالح الأميركية.
ففي العاصمة الأميركية، يرى البعض أن دعم الدوحة للإسلام السياسي لا يتوافق مع علاقتها تجاه الولايات المتحدة. بعد إعلان الرياض وأبوظبي بقطع علاقتهم مع الدوحة بساعات قليلة، صرح وزير الخارجية الأميركي انه “يحث جميع الأطراف على الجلوس معاً ومراجعة خلافاتهم….ومن المهم أن تبقى دول مجلس التعاون الخليجي متحدة “. أرى أنه من غير المحتمل حدوث أي عمليات عسكرية على الحدود القطرية-السعودية، وسيكون ذلك بمثابة خط أحمر لدى البنتاغون. بالإضافة، لن تسمح الإدارة الأميركية أن تخرج قطر من دائرة النفوذ الأميركي.
بالنسبة لدول الخليج العربي، من الواضح أن الأزمة الحالية عارض لمشاكل طويلة الأمد بين قطر والسعودية والإمارات والبحرين إلا انها لا تشمل جميع دول المنظومة. الكويت وعمان لم -وغالباً لن- تقطع علاقتها مع الدوحة. فالجدير بالذكر أن الكويت وعمان هما الدولتان الوحيدتان اللتين لم يقطعا علاقتهما الدبلوماسية مع أي دولة عضو في منظومة مجلس التعاون الخليجي. وفي عام ٢٠١٤، القيادة الكويتية هي من قامت برحلات دبلوماسية بين الرياض والدوحة لنزع فتيل الأزمة آنذاك.
منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي، حرصت الكويت على إبقاء منظومة مجلس التعاون الخليجي متماسكة، ولم تتردد في إستخدام رصيدها الدبلوماسي لخفض التوترات بين الدول الأعضاء. أعطى هذا الإرث للدبلوماسية الكويتية مصداقية لأن تلعب دور الوسيط الموثوق بين دول الخليج. ليس هناك أدنى شك أن تقوم الكويت، بقيادة سمو الأمير صباح الأحمد، بالتدخل لمحاولة حلحلة الأزمة الراهنة.
قبل أيام قليلة، قام أمير الكويت بالإتصال على القيادة القطرية وطلب منها عدم التصعيد فيما وصفه أسوأ خلاف دبلوماسي بين دول الخليج. ويقوم حالياً برحلات دبلوماسية بين السعودية وقطر والإمارات لإيجاد حل توافقي بين الطرفين. لكنني أعتقد أن أي نجاح للمساعي الدبلوماسية الكويتية ستكون مرهونة بمدى تجاوب قطر لوجهة النظر السعودية.
الدوحة تواجه خيارات صعبة. فإذا لم تراعي مطالب الطرف السعودي، ستكون معزولة جغرافياً. وقد تقدم السعودية في مساعي لتعليق عضويتها داخل مجلس التعاون الخليجي. بمرور الوقت، سيحدث ذلك ضغط جيوسياسي غير مسبوق على القيادة القطرية. في أسوأ الأحوال، قد تنزلق الدوحة تجاه طهران. وسيمثل ذلك تبعة غير مرغوبة لدى السعودية وقطر. وإذا قامت الدوحة بالإستجابة إلى جميع تصورات الجانب السعودية، فقد لا تتمكن الحكومة القطرية من النجاة من الإحراج الذي سيسببه ذلك. فالرضوخ لجميع الطلبات السعودية وتسليم سيادتهم إلى الرياض سينظر له على انه بمثابة إنتحار سياسي لدى الكثيرين في قطر.
لكنه من الممكن الوصول إلى أرضية بالمنتصف ترضي الطرفين. بإعتقادي، ستكون الحكومة القطرية مرنة وقابلة للتفاوض حول أمور كثيرة، ماعدا إقفال مؤسسة الجزيرة. بالنسبة للدوحة، الجزيرة تعتبر عامل مهم لحفظ مصالحها. فمن خلال الجزيرة، استطاعت قطر إيصال صوتها بفعالية إلى جميع أنحاء العالم العربي. ومع ذلك، يجب أن لا يمنع هذا جميع الأطراف من الدخول في حوار بناء لمعالجة إختلافاتهم ومخاوفهم.
إذا -ومتى ما- تم التوصل لإتفاق فعلي، فمن الممكن تنفيذ التعهدات على مدى ١٢ شهر. سيسمح ذلك لكل الأطراف بأن يكون لديهم وقت كافي لتخفيف إحتقان الأزمة وجعل التسوية قابلة للتطبيق دون إحراجات. وعلى الجانب السعودي والقطري أن يستغلوا الوساطة الكويتية لوضع حد للتمزق الخليجي.
يواجه مجلس التعاون الخليجي اليوم أكبر تحدي له منذ إنشائه. وبالرغم من ذلك، قد تكون هذه فرصة لجميع الأعضاء لطرح تباين وجهات نظرهم بكل شفافية وصراحة. فالحوار الخليجي الداخلي المتبوع بآلية بناء الثقة قد يقود إلى مجلس تعاون خليجي صلب ومتماسك. حتى يحدث ذلك، مستقبل مجلس التعاون الخليجي يتجه إلى المجهول.
حمد الثنيان
باحث دكتوراة في العلوم السياسية جامعة ماريلاند-كولج بارك
تنويه: المقالة نشرت في الجزيرة إنجليزي وتم ترجمتها للعربية
Link to article in AJ English.qatar saudi
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s